الجمعة، 5 فبراير، 2016

اتركوا تارانتينو



في لقاءٍ صحفي بعد فيلمه الأخير، سُئِل المخرج "كوينتين تارانتينو" عمّا إذا كان يفكر بإخراج فيلم يتعلق بالخيال العلمي في المستقبل، فقال: "لا بد أن الجمهورر يريد ذلك، في الواقع، إن هذا النوع يجذبني كثيراً لمشاهدته، ولكنّي لا أرى نفسي كمخرج، وكراوٍ للقصص في هذا النوع من الأفلام، لذلك فأنا لا أقدمه أبداً". 

المعروف أن "تارانتينو" قام بإخراج ثمانية أفلام كبيرة في مسيرته، ومعظم هذه الأفلام حصلت على العديد من الجوائز، ولكن الذي ميّزه عن غيره كان اختياره لأجواء الأفلام التي يقوم بإخراجها، حيث تبدو جميعها متشابهه، لا أعلم في ماذا، ولكنها جميعها تحمل بصمة "تارانتينو". 

بعد مشاهدة اللقاء تساءلت كثيرآ، لماذا يريد الجمهور تغيير المبدع؟ لماذا يريدون منه أن يصبح نسخةً لتحقيق أحلامهم، وإشباع رغباتهم؟ هل يجب أن يصبح المبدع منفذاً لما يطلبه الناس حتى يتقبلون ما يقدمه؟ لا أعتقد ذلك. فالمبدع الحقيقي هو من يعيش حياته في عزلةٍ فكريةٍ تامه، يقوم فيها بتجريد نفسه وأفكاره من كل المؤثرات التي لا تناسب ما يقدمه. لكي تصبح مبدعاً، عليك أن تحاور ذاتك، حتى في حديثك مع الناس. 

وفي أحد معارض التصوير التي أقمتها كانت اللوحات جميعها معروضةً بالأبيض والأسود، وكنت استقبل العديد من الإسئلة، لكن السؤال الأبرز بينها كان: "لماذا تعرض بالأبيض والأسود فقط؟ لماذا لا تعرض أعمالاً ملونة؟" وكنت أحاول كثيراً في شرح الأسباب التي دفعتني لذلك، حتى صارحني أحدهم قائلاً: “من الضعف أن يحبس الفنان نفسه في نوعٍ واحدٍ فقط من الفن، يجب أن يجرب الفنان كل شيء ويعرض كل شيء حتى يثبت للجمهور أنه متمكنٌ من فنه”.

 يريد البعض من الفنان أن يعيش تجربةً أفقية، يقوم فيها بالعمل على ما يريدونه هم، لا ما يريده هو، ويعرض فيها ما يعبجهم هم، لا ما يعجبه هو. لكن الفنان الحقيقي هو من يعيش تجربةً عمودية، يقوم فيها بالتعمق في مجاله، يبحث فيها عن نفسه، ويبحث فيها عن الفن الذي يناسبه. ولولا تعمق الكثير من الفنانين في مجالهم وتركيزهم عليه، لما اختلفوا عن غيرهم وتميزوا.  

لكل مبدعٍ في هذه الحياة خطُ يسير فيه ويجد فيه نفسه، وليس من الضعف أن يقضي حياته كلها، بطولها وبعرضها في السير على هذا الخط. فلا أظن أننا سنتقبل تارانتينو إذا قام بتقديم أفلام من نوعٍ آخر، كالخيال العلمي. ولا أظن أنني سأكون راضياً عن نفسي إذا قمت بتغيير لوحاتي من الأبيض والأسود إلى الألوان فقط لإرضاء رغبة زوار المعرض. لذلك، دعوا المبدع يرضي نفسه قبل الناس.

هناك 7 تعليقات :

  1. مقال جميل ..
    قد تكون في بعض الاحيان رغبة بسيطة -ناتجة عن قلة وعي- من البعض في مشاهدة هذا الجمال الذي يقدمه الفنان يعرض لهم في المجال الذي يهتمون به..

    ردحذف
  2. اعجبني المقال بالتوفيق اخي عارف ❤️

    ردحذف
  3. المقال أكثر من رائع ..

    يعرض المبدع عمله ليس لأخذ الجوانب الإيجابية و السلبية منا ...
    بل لإظهار فن نابع منه ميزه عن غيره وحب أن ينقله إلينا ..وكل شيء جميل يستحق أن يكون بارزاً ...

    ردحذف
  4. مقال جميل يدل على جمال نظرتك للابداع ..

    قد يكون للعامل الانساني اثر في ردة فعل المشاهدين ، فـ بطبيعة الإنسان أن يبحث عن النقص ، عن الأختلاف او عن القصور .. لا يبرر ذلك انتقادات بعض المنتقدين .. لكن هذا ما يدفع المبدع للعمل بروح اخرى ، او بنظرة تختلف عن نظرته .

    أرى بين أعمالك صرح عظيم ، يكاد أن يكتمل .

    ردحذف
  5. ولكن الانتقادات تبقى ف النهاية ادب جميل حيث انها اكيد غيرت فيك شي وخلتك فعلا تجرب طرق اخرى غير الابيض والاسود، اكيد كلام هالشخص اثر فيك ايجابيا، من وجهة نظري ان بعض الانتقادات نحتاجها في الحياة عشان نخطو خطوة مختلفة

    ردحذف
  6. هذه الجزئية لفتت انتباهي في الصور المرتبطة بمقالات المدونة، لم اجدها في اعمال لك _ربما انها لاحقة_، لكن هذا دعاني للشعور بالتميز، الفن ليس له طريقة علمية يجب السير عليها حتى تكون محط رضا الناس، الفن هو فن لانه ابداع داخلي مرتبط بشخص من يمارسه، بكل الوانه واشكاله، لا يوجد مرجع يستطيع ان يحكم عليه به، هو فقط ذوق الفنان وذوق المشاهد.

    ردحذف
  7. طريقتك فالكتابة جميلة قدرت تأثر فيه

    ردحذف