الأربعاء، 20 أبريل، 2016

رحيل جدي




كانت الساعة الثامنة والنصف مساءً عندما أخبرني أخي ياسر بأن حالة جدي عبدالله قد انتكست في المستشفى، تركت كل الأعمال التي كنت أقوم بها وانطلقت كالمجنون إلى مستشفى دبي. حيث ودعت جدتي فاطمة قبل ثلاثة أعوام تقريباً. لا أعلم ما هو الطريق الذي أخذته، كل ما أعلمه أنه كان طريقاً مليئاً بالدعاء والذكريات، الدعاء لجدي وذكريات جدتي.

وصلت إلى غرفته فرأيت جدي على السرير وعمتي "موزة" تقف بجانبه، تقرأ القرآن وتدعي له، وفي محاولة منها لتخفيف ثقل المشهد قالت لنا أن جدي استيقظ في الساعة الرابعة ليسأل عن أبي سعيد وعمي أحمد، فأخبرته أنهم في الطريق، فقال لها: "إذا وصلوا وما شفتهم، قوليلهم إنّي راضي عليهم". لم أتمكن من الوقوف في الغرفة، فخرجت وقد امتلأت عيناي بالدموع. أدركت حينها أن رضا الوالدين من أعظم أمور الدنيا. استمرت عمتي بالدعاء واستمرت حالة جدي بالتحسن، حتى أخبرتنا الطبيبة بأن حالته قد استقرت. فعدنا إلى منازلنا. 

في طريق العودة تساءلت كثيراً، لماذا أراد جدي أن يخبر أبناءه بأنه راضٍ عنهم؟ كان أبي وعمي مثالاً في صلة الرحم، ولا أنسى اتصال أبي في كل جمعةٍ بعد الصلاة ليسألني إذا ذهبت إليه أم لا. كنت  أجد أبي وعمي في كل مرةٍ أقوم فيها بزيارة جدي. كان رحمه الله بسيطاً جداً، يحدثنا عن ماضيه، وعن أصدقائه وعن أجدادي. حيث أخبرني مرةً عن تاريخ العائلة من مدينة أبوظبي، إلى الشارقة ورأس الخيمة، حتى استقرارنا في دبي. كان يسألني دائماً عن وظيفتي، وفي كل مرة يسألني من هو مديرك؟ وعندما أخبره بإسمه يقول لي: “سلّم عليه”. بالرغم من أنه لم يكن يعرفه، ولكنه كان يحب الناس، ويحب أن يعلموا بذلك. 

أكتب هذا النص وقد رحل جدي عبدالله (رحمه الله) قبل قليل. كان رحيله يشبهه جداً، بسيطٌ ومؤثر. وبعد أن قبّلت رأسه ورأيت أبي وعمي يبكييان بجانبه، عرفت تماماً لماذا أراد جدي أن يعلم أبناءه بأنه راضٍ عنهم ولماذا كانت هذه آخر الجمل التي قالها جدي قبل رحيله. قالها لكي يمنحهم الراحة والطمأنينة، لكي يرتاح أبي وعمي بعد رحيل والدهم بأنهم أدّوا أمانتهم تجاهه، وأنهم برّوا به وأحسنوا إليه خير الإحسان، حتى في آخر لحظاته في الدنيا. 

رحل جدي هادئاً، راضياً، مطمئناً بأنه قد ترك خلفه أبناء وبناتاً يحبونه، وأحفاداً يرون فيه مثالاً للرضا، يكملون مسيرته في هذه الدنيا، ويشعرون بالسعادة لأن اسمهم يرتبط بإسمه. قال لي أحد الأقارب قبل دفن جدي، أتعلم ماهو أعظم شيءٍ فعله جدك في حياته؟ إنها هذه الذرية الصالحة، لقد ترك جدّنا إرثاً عظيماً، وأجيالاً بإمكانهم أن يخففوا أي مصيبةٍ عليه، فقلت له، لذلك رحل راضياً عنّا. 

رحم الله جدي عبدالله وجدتي فاطمة وجدي أحمد وجدتي مريم، فقد قاموا بتربيتنا خير التربية، وتعلمنا منهم جميعاً. وبالرغم من حزني الشديد على فراقهم جميعاً، إلاّ أنني أشعر بالراحة التامة بأن الله منحني فرصةً للعيش معهم وفرصةً لتذكّرهم بعد رحيلهم، ومنحني فرصةً أيضاً لتوديعهم وداعاً يليق بهم.

الجمعة، 5 فبراير، 2016

اتركوا تارانتينو



في لقاءٍ صحفي بعد فيلمه الأخير، سُئِل المخرج "كوينتين تارانتينو" عمّا إذا كان يفكر بإخراج فيلم يتعلق بالخيال العلمي في المستقبل، فقال: "لا بد أن الجمهورر يريد ذلك، في الواقع، إن هذا النوع يجذبني كثيراً لمشاهدته، ولكنّي لا أرى نفسي كمخرج، وكراوٍ للقصص في هذا النوع من الأفلام، لذلك فأنا لا أقدمه أبداً". 

المعروف أن "تارانتينو" قام بإخراج ثمانية أفلام كبيرة في مسيرته، ومعظم هذه الأفلام حصلت على العديد من الجوائز، ولكن الذي ميّزه عن غيره كان اختياره لأجواء الأفلام التي يقوم بإخراجها، حيث تبدو جميعها متشابهه، لا أعلم في ماذا، ولكنها جميعها تحمل بصمة "تارانتينو". 

بعد مشاهدة اللقاء تساءلت كثيرآ، لماذا يريد الجمهور تغيير المبدع؟ لماذا يريدون منه أن يصبح نسخةً لتحقيق أحلامهم، وإشباع رغباتهم؟ هل يجب أن يصبح المبدع منفذاً لما يطلبه الناس حتى يتقبلون ما يقدمه؟ لا أعتقد ذلك. فالمبدع الحقيقي هو من يعيش حياته في عزلةٍ فكريةٍ تامه، يقوم فيها بتجريد نفسه وأفكاره من كل المؤثرات التي لا تناسب ما يقدمه. لكي تصبح مبدعاً، عليك أن تحاور ذاتك، حتى في حديثك مع الناس. 

وفي أحد معارض التصوير التي أقمتها كانت اللوحات جميعها معروضةً بالأبيض والأسود، وكنت استقبل العديد من الإسئلة، لكن السؤال الأبرز بينها كان: "لماذا تعرض بالأبيض والأسود فقط؟ لماذا لا تعرض أعمالاً ملونة؟" وكنت أحاول كثيراً في شرح الأسباب التي دفعتني لذلك، حتى صارحني أحدهم قائلاً: “من الضعف أن يحبس الفنان نفسه في نوعٍ واحدٍ فقط من الفن، يجب أن يجرب الفنان كل شيء ويعرض كل شيء حتى يثبت للجمهور أنه متمكنٌ من فنه”.

 يريد البعض من الفنان أن يعيش تجربةً أفقية، يقوم فيها بالعمل على ما يريدونه هم، لا ما يريده هو، ويعرض فيها ما يعبجهم هم، لا ما يعجبه هو. لكن الفنان الحقيقي هو من يعيش تجربةً عمودية، يقوم فيها بالتعمق في مجاله، يبحث فيها عن نفسه، ويبحث فيها عن الفن الذي يناسبه. ولولا تعمق الكثير من الفنانين في مجالهم وتركيزهم عليه، لما اختلفوا عن غيرهم وتميزوا.  

لكل مبدعٍ في هذه الحياة خطُ يسير فيه ويجد فيه نفسه، وليس من الضعف أن يقضي حياته كلها، بطولها وبعرضها في السير على هذا الخط. فلا أظن أننا سنتقبل تارانتينو إذا قام بتقديم أفلام من نوعٍ آخر، كالخيال العلمي. ولا أظن أنني سأكون راضياً عن نفسي إذا قمت بتغيير لوحاتي من الأبيض والأسود إلى الألوان فقط لإرضاء رغبة زوار المعرض. لذلك، دعوا المبدع يرضي نفسه قبل الناس.