الجمعة، 1 مايو، 2015

الموت على قيد الحياة


قام أحد الصحفيين في مقابلة تلفزيونية بسؤال الكاتب البرازيلي پاولو كويلو، كيف تريد أن يذكرك الناس بعد رحيلك؟ قال له پاولو: "إذا كان الناس سيذكرونني، فإني أود أن يتذكروا بأنّي شخصٌ حارب حرباً جيدة، واحتفظ بإيمانه. أريدهم أيضاً أن يتذكروا بأنّي وضعت كل ما أحب في عملي، حتى أنتجت كل هذه الكتب، وقد يبدو هذا كافياً. ولكن الأهم من هذا كله، أريد أن يقول عني الناس "لقد مات وهو على قيد الحياة".

لم أعلم حينها ماذا كان يقصد پاولو كويلو، إلى أن رأيت أشخاصاً لا أحلام لهم ولا رغبة في فعل المزيد، يكفيهم أن ينهضوا في الصباح للذهاب إلى العمل والعودة في نفس الوقت يومياً، وهذا هو إنجازهم. لكنهم لا يدركون بأنهم أموات، على قيد الحياة. الكثيرون منا اليوم يموتون قبل موتهم، يستسلمون للحياة دون تحدٍ ورغبةٍ في تحقيق المزيد، يخافون النظر إلى الأمام، ليس لخطورته، ولكن لجُبنهم. إن الذين يستسلمون للحياة، أقل شجاعة من الذين يستسلمون للموت.

بعد مشاهدة تلك المقابلة القصيرة، أدركت أن الموت لا يأتي عندما يتوقف القلب عن النبض، بل يأتي عندما يتوقف الإنسان عن الحلم والرغبة والاكتشاف. أدركت أيضاً بأن الإنسان المغامر، والذي يسعى لتحقيق أمرٍ ما يعيش أكثر من حياة، يحلم في الأولى، ويحقق حلمه في الثانية. قلت لنفسي: "هكذا يجب أن يعيش الإنسان".

إن المتعلقين بذكراهم لا يتقدمون أبداً، يرفضون النظر إلى الأمام، يظنون بأنهم بلغوا ذروة الحياة ومنتهاها، فلا شيء يستحق التجربة، ولا شيء يستحق الحلم، لأن الذكرى فوق هذا وذاك. إن الذين يعيشون على الذاكرة، لا يعيشون أبداً، تسجنهم أوقاتٌ لن تعود، تأخذهم بعيداً، إلى الوراء. إلى اللارغبة، واللاحلم... "الذاكرة تجعل الراغبين في الحياة موتى"، هكذا قال عنهم الكاتب وديع سعادة. 

أرفض الآن أن أتوقف عن أحلامي، أرفض أن أتخلى عن رغبتي بالاكتشاف والمغامرة والتجربة. لأن لحظة الوصول  إلى الحلم هي اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بأنه على قيد الحياة، هي اللحظة التي تجعلنا أقرب إلى ذواتنا، وإلى العالم، وإلى الحلم من جديد. لذلك، أرفض أن يقال عني بأنّي ميت، وأنا لا أزال على قيد الحياة.

هناك 7 تعليقات :

  1. مقالة لطيفة وممتعة..

    ردحذف
  2. مقالة رائعة ،
    فعلاً كم هوَ مؤسِف النظر إلى الوراء والعيش في الذكريات !
    وكأنّ الحياة خُلِقَت ماضٍ فقط ..أو خُلِقت مِن أجل من تعايشنا معهُم لحظاتٍ جميلة فـ توقفّت الحياة عِند رحيلهم ..
    الماضي لا يعني المُستَقبَل أبداً .
    شُكراً ..

    ردحذف
  3. as Marianne Williamson
    said "Our deepest fear is not that we are inadequate. Our deepest fear is that we are powerful beyond measure. It is our light, not our darkness that most frightens us."

    ردحذف
  4. شكرا اخ عارف على المقال الجميل ... الى الامام

    ردحذف
  5. مواجهة الحياة اصعب من مواجهة الموت، معبرة جدا، في الحقيقة ان من يعيشون نفس التفاصيل الروتينية التي لا تترك شيئا يذكر ورائهم تعيسون جدا وبالفعل هم اموات، فالحياة ليست بعض الاكسجين والطعام والحركة، الحياة تكمن في تفاصيل الاستكشاف والاسئلة والاعمال التي تترك اثرا للشخص، حتى وان لم يكن اثرا عالميا، يكفي ان يؤثر بأحد من حوله، ان يتمتع بعطاء كبير، او يدل احدهم على طريق صحيح، ربما يتصدق بكلماته او يكون قدوة لاولاده، فيبقى شيئا منه يذكر بعد موته، اثرا طيبا حتى لو كان بدون اسمه.

    ردحذف
  6. فعلاً اموات ع قيد الحياه ،،،، من سجن نفسة في الماضي و الذكريات ، و الاصعب انهم لا يدّركون ذلك،،،
    شكراً ع الكلمات الرائعه و الراقيه 💚

    ردحذف