الخميس، 7 مايو، 2015

حوار مع النفس



سألتني نفسي يوماً، "من تكون؟ أيها الواقف بيني وبين رغباتي؟ تمنحني قليلاً وتمنعني كثيراً. تأخذني صباحاً إلى السعادة، وتعود بي ليلاً. امنحني شيئاً من الوقت، شيئاً من الحرية في أن أكون أنا. في ممارسة أبسط عاداتي في التحليق بعيداً عنك".

أيتها النفس، قفي قليلاً وانظري إليّ، أنا لست سجّانك، ولست حارسك الذي يقف أمام قضبان الحرية. إنما أنتِ وأنا نقف معاً، أنتِ ظلي الذي لا يفارقني أبداً. نتشابه كثيراً، نعشق بعضناً، ونكره بعضنا، كأزواجٍ وقفوا متقابلين يوماً وأمطروا بعضهم بالوعود والكلمات، حتى جفّت السماء.

أيتها النفس، رغباتك مجنونة، تشبهك كثيراً، تأتيني كل يومٍ كشحاذٍ يقف أمامي، يطلب أشياء لا أحملها معي، ولا يسعني دفعها، فيقذفني ببعض الكلمات ويرحل. ويعود في اليوم التالي ليلقي علي همه ووجعه وأحزانه. أيتها النفس، كيف لي أن أنحني أمامك كل يومٍ مثل عبدٍ لا يملك القدرة على الطاعة، تحبسه الذكريات وتطلق الأحلام سراحه. 

إن الحرية التي تنشدينها إنما هي بقربي، بالوقوف هنا، بالتحليق معي، لا بالتحليق بعيداً عني. فالطير إن غنّى وحيداً على غصن الشجرة إنما يغني سجيناً، يحبسه الغصن، ولا يسمع إنشاده أحد. والباحث عن الحرية وحيداً لا يصل أبداً، مثل كتابٍ ممزق، مجهول البداية والنهاية.

أيتها النفس، كوني أنا، لا تكوني رغباتي فقط، ولا تجعلي من جسدي آلة لتحقيق رغباتك. اجعلينا أحراراً معاً، نحلق بعيداً معاً، حتى نقف على الغصن نفسه، فتسمعين إنشادي وأسمع إنشادك. فمتى كنتِ سعيدةً، كنت سعيداً. أيتها النفس، فلنصبح قصةً واحدةً في نفس الكتاب، كوني أنتِ صفحته الأولى واجعليني صفحته الأخيرة.

الجمعة، 1 مايو، 2015

الموت على قيد الحياة


قام أحد الصحفيين في مقابلة تلفزيونية بسؤال الكاتب البرازيلي پاولو كويلو، كيف تريد أن يذكرك الناس بعد رحيلك؟ قال له پاولو: "إذا كان الناس سيذكرونني، فإني أود أن يتذكروا بأنّي شخصٌ حارب حرباً جيدة، واحتفظ بإيمانه. أريدهم أيضاً أن يتذكروا بأنّي وضعت كل ما أحب في عملي، حتى أنتجت كل هذه الكتب، وقد يبدو هذا كافياً. ولكن الأهم من هذا كله، أريد أن يقول عني الناس "لقد مات وهو على قيد الحياة".

لم أعلم حينها ماذا كان يقصد پاولو كويلو، إلى أن رأيت أشخاصاً لا أحلام لهم ولا رغبة في فعل المزيد، يكفيهم أن ينهضوا في الصباح للذهاب إلى العمل والعودة في نفس الوقت يومياً، وهذا هو إنجازهم. لكنهم لا يدركون بأنهم أموات، على قيد الحياة. الكثيرون منا اليوم يموتون قبل موتهم، يستسلمون للحياة دون تحدٍ ورغبةٍ في تحقيق المزيد، يخافون النظر إلى الأمام، ليس لخطورته، ولكن لجُبنهم. إن الذين يستسلمون للحياة، أقل شجاعة من الذين يستسلمون للموت.

بعد مشاهدة تلك المقابلة القصيرة، أدركت أن الموت لا يأتي عندما يتوقف القلب عن النبض، بل يأتي عندما يتوقف الإنسان عن الحلم والرغبة والاكتشاف. أدركت أيضاً بأن الإنسان المغامر، والذي يسعى لتحقيق أمرٍ ما يعيش أكثر من حياة، يحلم في الأولى، ويحقق حلمه في الثانية. قلت لنفسي: "هكذا يجب أن يعيش الإنسان".

إن المتعلقين بذكراهم لا يتقدمون أبداً، يرفضون النظر إلى الأمام، يظنون بأنهم بلغوا ذروة الحياة ومنتهاها، فلا شيء يستحق التجربة، ولا شيء يستحق الحلم، لأن الذكرى فوق هذا وذاك. إن الذين يعيشون على الذاكرة، لا يعيشون أبداً، تسجنهم أوقاتٌ لن تعود، تأخذهم بعيداً، إلى الوراء. إلى اللارغبة، واللاحلم... "الذاكرة تجعل الراغبين في الحياة موتى"، هكذا قال عنهم الكاتب وديع سعادة. 

أرفض الآن أن أتوقف عن أحلامي، أرفض أن أتخلى عن رغبتي بالاكتشاف والمغامرة والتجربة. لأن لحظة الوصول  إلى الحلم هي اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بأنه على قيد الحياة، هي اللحظة التي تجعلنا أقرب إلى ذواتنا، وإلى العالم، وإلى الحلم من جديد. لذلك، أرفض أن يقال عني بأنّي ميت، وأنا لا أزال على قيد الحياة.