الأحد، 9 نوفمبر، 2014

أن تكون ملهماً...



ذهبت لأكثر من مرة إلى حدث TED Talk هنا في الإمارات، وهو عبارة عن حدثٍ يقوم فيه أصحاب التجارب بمشاركة الناس تجاربهم بهدف نقل معلومة، أو إلهام الناس للقيام بأشياء حلموا بها طويلاً ولم ينجزوها. وكان المشاركون يحاولون جاهدين في كل مرة أن يلهموا الحضور بنقل قصصهم وتجاربهم، وكلما بالغ المتحدث في سرد قصته، كلما بدت أكثر من عادية بالنسبة لي. لم تكمن المشكلة في التجربة، ولكنها كانت في المبالغة في إقناع الناس بأن تجاربهم تستحق الوقوف، والتصفيق والإلهام. وكأن الإلهام مادةً تباع في السوق، يحاول البيّاع أن يقنعنا بمدى حاجتنا لها.

تساءلت بعد ذلك كثيراً، كيف يصبح الإنسان ملهماً؟ وما الذي يجعل قصصنا تستحق النشر؟

وقبل فترة قليلة، مررت في "اليوتيوب" على فيديو مقابلة لشاب سعودي أسمه "حمزة" كان يبلغ من العمر 21 عاماً عندما أصيب بمرض السرطان، من الدرجة الثالثة. يقول حمزة أنه عندما أخبره الطبيب بإصابته بالسرطان، لم يخرج من غرفته ليومين متتاليين، وكان يرفض الحديث حتى مع أمه وأبيه. بعدها قرر حمزة أن يطلق حملة لمحاربة السرطان على مواقع التواصل الإجتماعي أسماها "أنا أحارب السرطان بابتسامة"، حيث كان يحلم  بأن يشارك الناس تجربته، وأن يبث الأمل والقوة في مرضى السرطان. وكان حلمه الأكبر تغيير إسم قسم "مرضى السرطان" في المستشفيات السعودية إلى قسم "محاربي السرطان". وبعد فترة من محاربة السرطان، تمكن حمزة بفضل الله تعالى من التغلب على المرض، ومن تحقيق حلمه في تسمية قسم مرضى السرطان في أحد المستشفيات في مدينة جده إلى قسم محاربي السرطان. أصبح حمزة اليوم أحد محاربي السرطان الذين ينقلون قصصهم للعالم لتقويتهم وبث الأمل فيهم. توقفت كثيراً أمام قصته، ماذا لو قرر محاربة المرض لوحده من دون القيام بالحملة؟ ماذا لو أنه لم يبادر بنشر رحلته مع المرض للناس وإلهامهم؟

إن الإلهام لا يتطلب منّا الكثير، ليس علينا الوصول إلى النجوم لنخبر الآخرين أنهم يستطيعون الوصول كذلك. فأن يكون الإنسان حقيقياً، وأن يشارك الناس بالأشياء البسيطة التي يهتم بها والتي غيرت له حياته، يعني أن يكون ملهماً. عندما استمعت إلى قصة حمزة، لم أكن مصاباً بأي مرضٍ ولله الحمد، لكنني أدركت جيداً أن قيام الإنسان باتخاذ خطوة في طريق الإيمان قد تصل به إلى أبعد مما كان يأمل، ولكن أن يكون ملهماً هو أن يشارك الآخرين بهذه الرحلة.

الملهمون جميلون، يمشون بيننا على الأرض ويقومون بما نقوم به تماماً، يقطعون المكان ليتركوا فيه أثراً لا يذهب بذهابهم. يعلمون أن الوقت ليس لهم وحدهم، فيشاركون به الناس جميعاً، وكأنه ليس لهم من البداية. حقيقيون، لا يبالغون كثيراً في سرد قصصهم؛ لأنهم يعلمون أنهم ملهمون كما هم، لا كما نريدهم نحن. بسيطون، يمضون بيننا بخفة الوقت، يتركون جمالاً في الهواء، لكنهم لا يغادروننا أبداً.

هناك 3 تعليقات :

  1. فعلاً الملهم لا يأخذ من الوقت الكثير حتى انه لا يأخذ منه اصلاً .

    ردحذف
  2. ثمة اشخاص يمتلكون قوة وجاذبية كبيرة، لا يحتاجون ابدا الى تخصيص كتب لسيرتهم الذاتية، ولا لمبالغات ادبية وتشبيهات وتعداد ما يعيشون وكيف ينظمون اوقاتهم، جاذبيتهم فقط في اعمالهم، في ما يقدمونه للناس، هم هكذا كما هم، ملهمون جدا، يستحقون التأمل لمجرد مرورهم من امامنا، لمجرد سماعهم يتكلمون، او قراءة ما يكتبون عن انفسهم بكلمات بسيطة جدا، ككلماتك هذه! وكشخصك انت.

    ردحذف
  3. مُلّهم ؛ بلا وعي ولا قصد ، يضع فيك بصمة تبقى طويلاً ، شيئاً جميلاً يلامس الروح ، تعرف منه انهم مُلّهموون ...

    ردحذف