الأحد، 30 نوفمبر، 2014

أيها الوقت...



السلام عليك أيها الوقت...

أيها البُعد الرابع في هذه الحياة، أيها الزائر بلا استئذان والراحل بلا وداع، أيها المسافر إلينا والمسافر عنّا في آنٍ واحد. أيها الماضي، أيها الحاضر، أيها القادم. أيها المتاهة والوصول معاً. السلام عليك، يا مانح الأشياء، ويا سارقها، يا بدايات الطفولة، ويا آخرها، يا أجمل ألوان الحياة، ويا آوحش عصورها. قف قليلاً، وانظر إلينا، ارفق قليلاً، قبل أن تغضب علينا. نحن الذين نبكي إذا أتيت ونبكي إذا رحلت. نحن الذين ينتابنا خوفٌ منك، وخوفٌ عليك.

أيها الوقت، أخبرني، هل هناك سبيلٌ إلى الرجوع بك؟ هل هناك سبيلٌ إلى العودة مع من نحب، ومن نتذكر، ومن ننسى؟ فيك تُختزل الأسرار، فيك تُختصر الطرق إلى الأمل والخيبة، فيك نمضي جميعاً، بلا ذنبٍ وبلا توقف، فيك نمضي، أسرع مما ينبغي، إلى النهاية.

جئتك أيها الوقت، بلا أسلحة وبلا رغبةٍ في التحدي، جئتك كائناً بسيطاً غير قادرٍ على الوقوف أمامك، ولا التوقف فيك. كائنٌ يمارس أبسط حقوقه في التساؤل عنك، وعن السعادة والبؤس التي تمنحه أياها كلما تمضي به، يتساءل عن كل الأشياء التي تقف بها في طريقه، بهدفٍ، وبلا هدف.

جئتك أيها الوقت، لا لكي تقف، ولا لكي تنتظر. ولكن لترفق بي قليلاً، ذاكرتي ما عادت ذاكرتي أبداً، تغيرت كل الملامح فيها، تبدلت كل الصور، تبدو اللحظة الآن مثل حلمٍ أعلم جيداً أنه سيرحل قريباً وسيبقى منه غبارٌ قليلٌ، أتذكره به. جئتك أيها الوقت، لا لأني فقدت الأمل، ولكن ليبقى ما تبقى من أمل.

أيها الوقت، إني أضعف من مواجهتك، أو محاولة معرفتك عن قرب؛ لأن الذين يحاولون فهم الوقت كالذين يحاولون النجاة في بحرٍ لا سطح له ولا قاع، لا جدوى من السباحة، ولا جدوى من التفسير. قالوا إنه البعد الرابع، وهو كل الأبعاد. قالوا إنه البداية، وهو آخر النهايات، اتهموه بالبساطة، وهو أكبر التعقيدات وأكثرها عمقاً. لا يحتاج الوقت إلى تفسيرٍ، ولا ينتظر منّا أن نعرفه، فهو يمضي بذاته، لا يقف تكريماً لمن ينجح في تفسيره، ولا ينتظر المحاولين حتى يتوصلوا إلى ذلك. هذا هو الوقت، يتركنا ويمضي. 

أيها الوقت، أعذرني أن أخاطبك هكذا، فمثلي لا قوة له أمامك. أخاطبك الآن وأنا لا أملك إلاّ أن أتبعك طوعاً، أمرح فيك وأنا أعلم أنك ستمضي وتأخذ المرح معك. أبكي لساعة، لأنني أعلم أن هذه الساعة هي ملكك أنت وحدك، وسوف تأخذها معك في رحلتك اللانهائية أيضاً. ولكنني أكتب، أكتب لأنني أعلم أنك لا تستطيع أن تأخذ الحروف معك، أكتب لأنني أعلم أنك سوف ترحل بي يوماً ما، وستبقى هذه الحروف.

الأحد، 9 نوفمبر، 2014

أن تكون ملهماً...



ذهبت لأكثر من مرة إلى حدث TED Talk هنا في الإمارات، وهو عبارة عن حدثٍ يقوم فيه أصحاب التجارب بمشاركة الناس تجاربهم بهدف نقل معلومة، أو إلهام الناس للقيام بأشياء حلموا بها طويلاً ولم ينجزوها. وكان المشاركون يحاولون جاهدين في كل مرة أن يلهموا الحضور بنقل قصصهم وتجاربهم، وكلما بالغ المتحدث في سرد قصته، كلما بدت أكثر من عادية بالنسبة لي. لم تكمن المشكلة في التجربة، ولكنها كانت في المبالغة في إقناع الناس بأن تجاربهم تستحق الوقوف، والتصفيق والإلهام. وكأن الإلهام مادةً تباع في السوق، يحاول البيّاع أن يقنعنا بمدى حاجتنا لها.

تساءلت بعد ذلك كثيراً، كيف يصبح الإنسان ملهماً؟ وما الذي يجعل قصصنا تستحق النشر؟

وقبل فترة قليلة، مررت في "اليوتيوب" على فيديو مقابلة لشاب سعودي أسمه "حمزة" كان يبلغ من العمر 21 عاماً عندما أصيب بمرض السرطان، من الدرجة الثالثة. يقول حمزة أنه عندما أخبره الطبيب بإصابته بالسرطان، لم يخرج من غرفته ليومين متتاليين، وكان يرفض الحديث حتى مع أمه وأبيه. بعدها قرر حمزة أن يطلق حملة لمحاربة السرطان على مواقع التواصل الإجتماعي أسماها "أنا أحارب السرطان بابتسامة"، حيث كان يحلم  بأن يشارك الناس تجربته، وأن يبث الأمل والقوة في مرضى السرطان. وكان حلمه الأكبر تغيير إسم قسم "مرضى السرطان" في المستشفيات السعودية إلى قسم "محاربي السرطان". وبعد فترة من محاربة السرطان، تمكن حمزة بفضل الله تعالى من التغلب على المرض، ومن تحقيق حلمه في تسمية قسم مرضى السرطان في أحد المستشفيات في مدينة جده إلى قسم محاربي السرطان. أصبح حمزة اليوم أحد محاربي السرطان الذين ينقلون قصصهم للعالم لتقويتهم وبث الأمل فيهم. توقفت كثيراً أمام قصته، ماذا لو قرر محاربة المرض لوحده من دون القيام بالحملة؟ ماذا لو أنه لم يبادر بنشر رحلته مع المرض للناس وإلهامهم؟

إن الإلهام لا يتطلب منّا الكثير، ليس علينا الوصول إلى النجوم لنخبر الآخرين أنهم يستطيعون الوصول كذلك. فأن يكون الإنسان حقيقياً، وأن يشارك الناس بالأشياء البسيطة التي يهتم بها والتي غيرت له حياته، يعني أن يكون ملهماً. عندما استمعت إلى قصة حمزة، لم أكن مصاباً بأي مرضٍ ولله الحمد، لكنني أدركت جيداً أن قيام الإنسان باتخاذ خطوة في طريق الإيمان قد تصل به إلى أبعد مما كان يأمل، ولكن أن يكون ملهماً هو أن يشارك الآخرين بهذه الرحلة.

الملهمون جميلون، يمشون بيننا على الأرض ويقومون بما نقوم به تماماً، يقطعون المكان ليتركوا فيه أثراً لا يذهب بذهابهم. يعلمون أن الوقت ليس لهم وحدهم، فيشاركون به الناس جميعاً، وكأنه ليس لهم من البداية. حقيقيون، لا يبالغون كثيراً في سرد قصصهم؛ لأنهم يعلمون أنهم ملهمون كما هم، لا كما نريدهم نحن. بسيطون، يمضون بيننا بخفة الوقت، يتركون جمالاً في الهواء، لكنهم لا يغادروننا أبداً.