الثلاثاء، 18 فبراير، 2014

أنت لست أنت




"أنت لست أنت، فأنت اليوم غير أنت الأمس. وأنت الغد ستكون مختلفاً عن اليوم إذا أردت، وإذا شاء الله".
هكذا حدثتني نفسي عندما استيقظت من النوم هذا الصباح. فأنا هنا في مدينة لوس أنجلوس، تركت الأشياء التي تعودت عليها في دبي، ورحلت لتعلم صناعة الأفلام، فوجدتني أصنع نفسي، مرةً أخرى.

لم تبدُ المدينة غريبة، ولم يبدُ الناس غرباء، لأنني تعودت السفر والمدن، أو ربما لأنني تعودت الناس، واختلافاتهم وانتماءاتهم وأطيافهم. لم يبدُ أي شيءٍ غريباً سوى تلك التساؤلات التي تراودني هنا كل صباح... لماذا اخترت هذا الطريق؟ 

في أول يومٍ من المحاضرات حول صناعة الأفلام قام كلٌ من الطلاب بالتعريف عن نفسه وعن بلده وعن سبب تواجده في هذه الدورة، وحدث ذلك في صورةٍ رسميةٍ وخجولة جداً. فكانت القاعة تمتلئ بالأحلام لحظة، وبالإنكسارات لحظة. انكسارات أولئك الذين قادتهم الحياة رغماً عنهم لاختيار هذا الطريق، وأحلام أولئك الذين استغلوا كل فرصة في حياتهم للتواجد في هذا المكان.

التقيت بشخصٍ جاء من النرويج إلى لوس أنجلوس، ترك خلفه وظيفته وعائلته، حيث كان يعمل في الصحافة. ترك ذلك كله ليلاحق حلم الطفولة، لكي يدرس التمثيل ويصبح مشهوراً يوماً ما. هكذا كانت كلماته، بدت غريبةً علي، فأنا لم أعهد أن استمع إلى أحلام الناس وأن أشاركهم أحلامي. وبالرغم من أن حلمه بدا ساذجاً عندما سمعته أول مرة، إلّا أنني احترمته كثيراً بعد ذلك. فكم منّا يحمل أحلاماً لم يسعَ إليها لارتباطه بوظيفته أو بأشخاصٍ معينين. فيا لسذاجتنا، ويا لسعادته!

كما قالت لي أخرى أنها أتت إلى هذه المدينة وقررت أن تقضي وقتها في تعلم شيءٍ بسيطٍ من صناعة الأفلام، وبالرغم من أنها لا تعرف أبسط الأشياء عن أساسيات صناعة الأفلام، لكنها أتت لأن ظروفها العائلية كانت صعبةً جداً في الفترة الأخيرة، فوفاة والدها، وإصابة والدتها بمرض "الزهايمر" أرغماها على البحث عن تجربةٍ جديدة، عن منفىً للهرب من تلك الضغوط، أو عن متنفسٍ جديد. فما أكثر الذين تحطمهم انكساراتهم، وما أضعفنا أحياناً أمام تلك الضغوط التي تضعنا في سباتٍ عميق، لا نستفيق منه!

"تعلُمنا الحياة دروساً كل يوم". عبارةٌ كنت أقرؤها دائماً وأسمعها دائماً، إلاّ أنني لم ألتفت يوماً إليها، حيث اعتبرتها مثاليةً جداً. وها أنا هنا، في كل يومٍ أقوم بالأعمال المنزلية البسيطة لوحدي، فليس معي أحد يقوم بذلك. وقد أيقنت أن الدروس لا تحتاج لتجارب كبيرة حتى نتعلمها، وأن أبسط الأشياء وأصغرها قد تعلمنا أكثر من غيرها. والمشاهد التي أراها كل يومٍ ممن هم حولي من الطلاب تجعلني أحمد الله كثيراً، أحمده على نعمة الأهل، والوطن، والخير، وقبل ذلك كله، أحمد الله على نعمة الإسلام.

وما زلت حتى هذه اللحظة وحتى هذه الكتابة أجهل سبب اختياري لهذا الطريق، ولكن الحياة تقودنا لاتخاذ مثل هذه القرارات، فالذي دفعني إلى السفر لتعلم صناعة الأفلام أرشدني إلى السفر في سبيل صناعة نفسي. وصناعة النفس لا تأتي بالقيام بعمل روتيني، ولا بالذهاب إلى نفس الأماكن كل يوم، ولقاء نفس الأشخاص كل يوم، وسماع القصص نفسها كل يوم. إن صناعة النفس تحتاج إلى السفر، السفر إلى البعيد، إلى أبعد من تلك الأماكن التي نراها في الكتب والمجلات. صناعة النفس تحتاج إلى سفر الروح والمشاعر.

هناك تعليق واحد :

  1. سافرت مع كلماتك هذه ومع كل التساؤلات والاحلام التي حملتها الكلمات، واجمل ما في الانر هو العنوان، عبرعن المحتوى بطريقة جذابة جدا وعميقة.

    ردحذف