السبت، 23 نوفمبر، 2013

الوقوف من جديد



في مقدمة فيلم "بداية باتمان"، سقط الولد في البئر فأتى والده وساعده على الخروج، فـسأله وهو يحمله: "هل تعلم لماذا نسقط؟ نحن نسقط لكي نتعلم كيف نحمل أنفسنا ونقف من جديد". حتى كبر الولد وأصبح أحد الأبطال الذين يقومون بإنقاذ المدينة.


هكذا يكون البعض حين يسقط، يتعلم من سقوطه و يحمل نفسه من جديد ليفتح لها أفاقاً كانت تجهلها فيجد نفسه أكثر قدرةً من قبل على الإنتاج، والبعض الآخر يبقى في سقوطه، لا يقوى على حمل نفسه، أو ربما لا يريد ذلك.


تعود بي الذكرى إلى أواخر عام ٢٠١١ عندما كنت في محطة القطار في مدينة "جنيف" السويسرية، فطلبت من صديقي أن ينتظرني مع الحقائب حتى أقوم بشراء بعض الأشياء الأساسية من السوبرماركت، ولدى عودتي سألته عن حقيبة "اللابتوب" فقال لي "إنها معك"، فقلت له إنني متأكدٌ من أنني تركتها معه، وأدركنا بعد صمت قصير أن أحداً قد سرق الحقيبة في غفلةٍ منّا. توقفت قليلاً عن التفكير و التنفس، وبدأت في محاولة تذكر ما كان في تلك الحقيبة، وما زلت إلى يومي هذا لا أتذكر جيداً ما كان فيها، فكل ما أذكره هو ذلك "اللابتوب" الذي يحوي تاريخي في التصوير. كنت قد وضعت جميع ما قمت بتصويره خلال أكثر من ٩ سنوات في ذلك الجهاز. فأدركت حينها أنني فقدت تاريخي، وليس هناك أعظم من أن يفقد الإنسان تاريخه.


لم نقم بإكمال رحلتنا التصويرية، وقررنا أن نعود إلى دبي في نفس الليلة، وكانت تلك الليلة حتى هذا اليوم أصعب ليلةٍ في حياتي، و أذكر أنني حين وصلت إلى دبي قضيت فترة من العزلة؛ لأنني أؤمن بأن العزلة و الوقت هما حلٌ لجميع مشكلاتي. وقد مررت في عزلتي بجميع المراحل الخمس التي يمر بها أي إنسان يقع في مشكلة. ابتداءً بالإنكار، حيث كنت اقوم بإقناع نفسي ان ما فقدته بسيطاً وليس ذا معنى، ومروراً بمراحل الغضب و مراحل مساومة النفس و الاحباط، وانتهاءً بالقبول، فلا أفضل من أن يقوم الإنسان بتقبل المشكلة حتى يتمكن من الوقوف مرة أخرى والتغلب عليها.


بدأ عام ٢٠١٢ وقد ظننت بأنني بهذه الخسارة لن أعود إلى التصوير مجدداً، ولن أحمل آلة تصويرٍ مرةً أخرى إلاّ بمعجزة. قادتني هذه الفترة إلى التأمل والتفكر والتساؤل، ما فائدة الصور التي قمت بتصويرها ولم أنشرها؟ وماذا أقول للناس إذا سألني أحدهم عن صورةٍ التقطتها له في مناسبة ولم تعد معي الآن؟ ولماذا لم أُقم معرضاً بأجمل أعمالي في التصوير حتى تبقى خالدة؟ كل ذلك كان دافعاً للعودة من جديد، فقررت حينها أن أنهض من سقوطي، وقررت أن يكون عام ٢٠١٢ عاماً مختلفاً، أكون فيه أكثر مشاركةً في مجال التصوير و أقوم فيه بنشر أعمالي. وتمكنت بفضلٍ من الله و بتحفيز نفسي ومن حولي من المشاركة في معارض عدة، بل وقررت أن أدخل في مجال تصوير الفيديو و إخراج الأفلام ونجحت في ذلك. حتى قال لي أحدهم: "تصدق يا عارف، اللي سرق شنطتك سوى فيك خير". ربما يكون كلامه صحيحاً، فلولا ذلك السقوط لما تمكنت من معرفة نفسي و تحديها.


تقول الحكمة: "لا بد لنا أحياناً من السقوط، لنعرف أين كنّا نقف". والبدايات الجديدة تحتاج إلى دافع و محفز لاستمرارها، لذلك لا تيأس إذا سقطت، فإن السقوط يمنحك الفرصة لمعرفة نفسك أكثر، والناجحون هم من يرون في السقوط فرصةً للتقرب من أنفسهم و تحديها، فمن لا يستطيع أن يعلّم نفسه كيف يقف بعد السقوط، لا يستحق البدايات الجديدة، فلا بأس من أن تكون الشخص الذي يسقط أحياناً، المهم أن تكون الشخص الذي يقف من جديد.