الثلاثاء، 6 أغسطس، 2013

كنز الصداقة

عندما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى غار ثور مهاجراً بصحبة صديقه أبوبكر الصديق رضي الله عنه، قال أبوبكر للرسول: "والله لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان به شيء أصابني دونك". فدخل وتأكد من أن الغار يخلو من الأضرار. هكذا كان أبوبكر رضي الله عنه يحب رسول الله و يفتدي نفسه حباً لصديقه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى اختار له أن يكون رفيق الرسول ولأن الله تعالى قد علم أنه أحق الناس بهذه المنزلة.


تكمن الصداقة في تواصلنا و تقاربنا من بعضنا البعض، لكن الصداقة الحقيقية الخالصة لا تنتظر من أحدنا  أن يتحدث كي يعلم صديقه ما يشعر به، فبمجرد النظر يعرف الشخص تماماً ما يشعر به صديقه، وما يفكر به أحياناً. فكما قال صديقي عبدالله في صفحته على تويتر: "إن الصديق الحقيقي لا يحتاج أن يشكر صديقه: لأنهم يعلمون ذلك."


قبل أيامٍ قليلة، توفيت جدتي فاطمة رحمها الله، وكنت أظن في طريقي من المقبرة إلى المنزل بأني لا أرغب برؤية أحد، وكانت فكرة قضاء الثلاثة أيام القادمة في خيمة العزاء تزيدني هماً فوق همي، ففقدها كان عظيماً رحمها الله. وكثيراً ما كنت أظن بأن ابتعادي عن الناس في هذا الوقت هو أفضل ما يمكن أن أقوم به، و أن عزلتي البسيطة ستجعلني بحالٍ أفضل، فطالما كانت العزلة خير صديقٍ لي، وطالما آمنت بإن الإنسان الذي لا يقدّر العزلة لا  يقدّر الحياة.


فاجأني صديقي "جاسم"  في اليوم الثاني من العزاء حين عاد من إجازته في البحرين ليعزيني في وفاة جدتي فقط، ويعود مرةً أخرى إلى البحرين، حيث ترك أهله و أصدقاءه. جاءني محملاً بطيبة أهل البحرين وقلبهم الكبير، فكأن شيئاً جميلاً انتشلني من كآبتي ليضعني موضع السعادة، فلا أصدق من ابتسامة صديقٍ حين يواسيك، ولا أعذب من التواصل بين الأصدقاء.


وأثناء استقبالي لجموع المعزين، فاجأني شخص بالسلام علي بحرارة فشعرت بأنه يعرفني منذ مدةٍ طويلة ولكنني ولضعف تواصلي بأصدقائي القدامى كنت أجهل من يكون، توجهت بعدها مباشرةً إلى ابن عمتي لأسأله عن ذلك الشخص، فقال لي أنه فلان الذي كان يدرس معنا في المدرسة. شعرت حينها بالانكسار، فكيف لي أن أنسى صديقي الذي قضينا معه عمراً في المدرسة؟ كنت أظن بأن العقل إذ ينسى الأصدقاء فإن القلب لا ينسى.


وفي طريقي إلى المنزل فجر ذلك اليوم، تساءلت كثيراً، ماذا لو لم يكن لدي أصدقاء؟ وماذا لو خلت حياتنا من هذا المعنى الانساني الصادق في التواصل و التقارب؟ فالحياة بلا أصدقاء تصبح كهفاً مظلماً، لا نور فيه ولا سعادة. أدركت حينها ثمن الصداقة و ثمن التواصل وقيمة الابتسامة في وجه صديقي كلما التقيته.


أجلس حالياً على كرسي الطائرة في طريقي لزيارة أخي راشد الذي يدرس في لندن، وبالرغم من أنني تعودت السفر وحيداً، بل و أدمنته حتى أصبح أحد هواياتي المفضلة، إلاّ أنني أشعر بالفراغ، حيث لا صديق لي هنا أخبره عن يومي و أناقشه أفكاري وأفكاره، فالصديق الحقيقي هو من يحرص على سماع أفكارك و كأنها أفكاره الخاصة. وبالرغم من أن الرحلة تحمل مئات الركاب، إلا أنني أشعر بالوحدة، لأن غرباء العالم كلهم لا يساوون صديقاً واحداً.


قالوا قديماً بأن الصداقة كنز، فحافظوا على كنزكم هذا، لأن الأصدقاء بعد رحيلنا يقومون بتوديعنا بكل صدق ودعاء، فما أحوجنا لذلك عند الرحيل، والصديق الحقيقي لا يرحل، أنما يبقى ذكره خالداً في القلب.


شكراً لكل الأصدقاء في حياتي…



هناك تعليق واحد :