الجمعة، 23 أغسطس، 2013

عندما نشتاق


في جوٍ ممطرٍ في لندن، لجأت إلى مظلة ذلك المقهى الأحمر الذي أنسى اسمه أحياناً فاختبأت تحتها، وقررت أن أكمل قراءة رواية "في ديسمبر تنتهي كل الأحلام"، وبالرغم من أنني لم أكن في ديسمبر، إلاّ أنني عشت تفاصيل تلك الرواية لحظةً بلحظةً، فالأمطار إذ تأتي في أي موسمٍ فإنها تنقش في القلب شعوراً بالسعادة. كانت بعض القطرات تخترق تلك المظلة التي أحتمي بها، حتى أوقفتني عن القراءة، وبدأت بعدها أتفقد المارة، أتخيل القصص التي تحملها وجوههم، وأتذكر في كل وجهٍ أراه وجوه أناسٍ أشتاق إليهم ولا أراهم، أناس أحن إليهم وإلى ذكراهم.
هكذا يفعل بنا الشوق، وهكذا يعصف بنا الحنين لنرى وجوه من نشتاق إليهم في كل الوجوه، ونسمع أصواتهم في كل الأصوات، وفي الأغاني التي جمعتنا بهم، ونستعيد شريط الذكريات بكل تفاصيله، فيصبحون كأنهم حاضرين، وإن لم يكونوا هنا؛ لأن الذكريات تأتينا كالشمس التي تشرق لتزيح ظلام الشوق شيئاً فشيئاً، حتى تغيب لاحقاً، شيئاً فشيئاً.
إن كلّ محاولة للتخلص من الشوق والحنين هي محاولة فاشلة، لأن الشوق يأتينا بحب، ويذهب لوحده بحبٍ أيضاً، والأشياء التي تخلو من الحب تخلو من الحياة والتأثير. والشوق يدفعنا للتساؤل عن أسبابه وآثاره، و من يقاوم الشوق يصاب باليأس، لأن المشتاق يطمح دائماً باللقاء، وإن بدا مستحيلا.
في طريقه من الرياض إلى لوس آنجلوس لاستكمال دراسته، زارني صديقي عبيد في دبي، فكانت قصص الحنين تتشابه بيننا، و أثناء حديثنا مرةً قال لي: إني حين أسافر إلى أمريكا اشتاق لأشياء كثيرة، أشتاق إلى أمي وإلى أهلي و بيتنا و "الحارة" و أصوات الأذان في الرياض، فهذه المدينة معروفة بكثرة مساجدها و قربها من بعضها، حتى أننا تعودنا على سماع الأذان بثلاثة أصواتٍ مختلفة في نفس المكان. أدركت حينها أن الإنسان لا يشتاق للناس فقط، بل يشتاق إلى الأماكن والأشياء والأصوات و الذكريات الجميلة، والراحل في بحر الذكريات يركب قارباً من الأشواق لا يدري إلى أين يذهب به، و متى يصل.
سافر صديقي عبيد إلى أمريكا، وسافرت أنا إلى البحرين، وبالرغم من أن رحلتي قصيرةٌ جداً إلاّ أنني خلالها تساءلت كثيراً عن الأشياء التي سأشتاق إليها إن أطلت الرحلة، وعن الأشخاص الذين يستحقون أن أقلّب معهم شريط الذكريات كلما طال الغياب، وعن الأماكن التي ستبقى خالدةً في ذاكرتي، فالذكريات الصادقة تكون قريبةً جداً من الواقع. 
إننا نشتاق حين نبتعد وحين نفارق ليزيدنا الشوق أملاً في اللقاء، ويزيدنا رغبةً في الوصول إلى ما نشتاق إليه. وها أنا الآن أجلس بعيداً عن كل الأشياء التي تعودت عليها، مشتاقاً لكل التفاصيل الصغيرة  وكل الوجوه التي أحببتها يوماً، محاولاً أن أعود إليها بالذكريات، متمنياً أن ألقاها يوماً ما.

هناك 3 تعليقات :

  1. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
  2. عند الغياب ،تصبح الذكريات بمثابة بذرة نسقيها كل يوم لتكبر في أراضي قلوبنا..حتى تصبح شجرة وارفة الظلال نستظل في ظلها عندما تجتاحنا مشاعر الحنين لمن نحب..

    ردحذف
  3. لحظات التأمل هذه قاسية وحنونة في نفس الوقت، يصبح الشخص فيها وكأنه ظلا يقف في عالم مواز، ينظر امامه لكنه لا يرى المشهد الواقعي، يسرح بعيدا جدا الى نفسه القديمة، التي تعرف بالاماكن والاصوات والاشخاص وربما المشاعر البعيدة عنه. في غربة الشخص عن بلده او حتى غربته عن ماضيه، وان حاول جاهدا صنع حاضر لنفسه الا ان اللحظات الحقيقية تكون بغوصه في اعماق التفاصيل التي كان يجد نفسه بها. وكلما طالت تلك الغربة، كلما تأقلم مع الواقع وضاع تائها في لحظات واشياء لم تعد كما كانت، وان عاد اليها لا يجد سوى ركام، او ربما لا يجد الركام، فقط واقع جديد هو لا ينتمي له، كل شيء سحب منه وكأنه لم يكن، يصبح مجردا تائها لا يجد نفسه الا ببضع خيالات واحلام لا يمكن استعادتها!

    ردحذف